حين
حين أثقلَني التراب!



قال لي : أين ذهبت مشاعرك ؟ قلت : أسكنتها قلب عصفور مٌسبِّح ؛ فصارت تحلق معه .. تعلوا وترتقي .. تسمو وتستحي .. تهفو وتهتدي ؛ فقال : وأين كلمات الغزل وأشواق العيون؟ قلت : تأملت فيها فوجدتها أطلال عشق كانت للفناء تسعى وتشتهي .. قال : من غيّرك ؟ قلت : من خضعت له النفس وباتت تبكي وإليه تشتكي قال : عجباً .. هل هذا انسحاب من عالم الأرض أم فراق عن أكاذيب الهوى؟ قلت : مالي ومال أهل الهوى بي ؟ تحيرتُ الفراق وتعجبت حالهم ! وقد ملأتْ عبراتُهم مدامع العشاق حسرة وندم ، ترقبهم عيني فتراهم كأشجار تتساقط أوراقها بعد أن تعانق فيها الفرع والغصن ! كانوا بالأمس يستترون ويختلون بمن يستهوون .. يفضلون الاختلاء ببعضهم ، يغوي كل خليل خليله بغريب أفكاره ، ويدركون أن فيها هوانهم ، و برغم حرامها فهم لها فاعلون ، مسلوبي الإرادة حين تهاجمهم ضلالات المشاعر ، يؤثرون لقاء السر ، ويحسنون الخفاء وخبث اللقاء ، وليتهم يتقون يوماً لن يذوقوا فيه إلا العذاب والألم على ما فرطوا في حق الله ! {ياويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا}. أما عن الأرض قد قال ربي فيها :{ ياعبادي إن أرضي واسعة} ؛ وإني الآن ذاهبة إلى مكان لا يعرفني فيه أحد من الناس .. كي أختلي بحال نفسي وأنين ترابها .. أهجع ويهجع معى فيه بصري الذي أتعبته غشاوة الدهشة ، وآلمته شفقة العيون ، رغبة مني وأملاً في نسيان جل ما يراود فكري من شد وجذب ،
فدعني أمشى فيها وأجاهد ثورة انفعالاتي .. إنظر .. هذا قمر الأرض ونجمته تراهم في كل مكان يتبعان .. أحببت صحبتهما ، بيننا شعاع من الود الجميل ، يجمعنا التسبيح للرحمن ، ويمامتان في صلاة الفجر ينتظران قدومي أحمل لهما في جنبات وجدي زاد السلام .. هما الدليل لقلب عصفوري الذي هام محلقاً يرجو من ربه الصفح والغفران ، آآه .. لكني الآن سأعود إلى عالم الأرض أفتش وأبحث عن داري الذي ضاع فيه الأمن وغاب عنه الأمان ؛ سترهقني ضوضاء الحياة ويغضبني نفاق البشر ، وعيش بلا سكينة ولا اطمئنان؛ وأثقلني ترابي ، وخبلاً تبتغي نفسى الطيران ! كيف وليس لها ريش ولا زيل ولا حتى جناحان ، لكني لن أصمت مادام قلمي في يدي وفي حلقي اللسان ، سأنادي بصوت عزيز : هيا نرابط ودّا تقيا .. يامن شغلت عن نفسك واستحب قلبك الغلظة والقسوة ، لمن دامت الأرض قبلك أيها الإنسان فاستحي من ربك .. أنت وكل من على الأرض فان .
أرق تحياتي ،،
ح عفاف عبد الوهاب صديق
أثقلني التراب









